حفلة ختان في باريس

تأليف بيرم التونسي

148 صفحة

يحكي الكتاب، في مجموعة فصول بحثية منوعة، وذات صيغة تشويقية، سيرة حياة وابداع الشاعر الراحل بيرم التونسي، ويأتي ذلك في وجهة دقيقة معمقة يوفرها كون المؤلف صلاح عطية، يعرفه شخصياً والتقى به، بل وكتب عنه فى حينه. ويوضح عطية أن بيرم التونسي هو الذي حمل ألقاب: (شاعر الشعب)، (فنان الشعب). ويبين ان الشاعر أحمد شوقي اعتبر شعر بيرم بالعامية، خطراً على اللغة الفصحى، إذ قال: (أخاف على الفصحى من بيرم).

يسجل المؤلف تاريخ ولادة بيرم التونسي ومحطات حياته، مبينا انه ولد فى الإسكندرية عام 1893م، بعد أن ضرب الأسطول البريطاني الإسكندرية، واحتل مصر بعدها، فى عام 1882م، مشيرا الى ان الطريف أنه مازال يتردد السؤال: هل بيرم التونسي مصري أم تونسي؟ ويجيب بأن جده هاجر إلى مصر عام 1833م، أثناء حكم محمد علي، وولد الأب بمصر، وقد تزوج بمصرية وأنجب بيرم. أما اللقب (التونسي)، فالتصق به كعادة المصريين بتنسيب المرء إلى بلده الأساسي، وان كانت من قرى أو مدن مصرية. وأما عن سبب لقب (التونسي)، فيروي صلاح عطية، حول ذلك وحول ما آثار السؤال بسببه، أنه خلال شبابه، ولكثرة مشاغباته مع جنود الاحتلال، كلما تعرض للقبض أو الاهانة، كان يقول لهم: (أنا حماية)، حيث كانت الجنسيات غير المصرية لا تعامل معاملة المصريين المهينة. فيقول انه فرنسي، لأن فرنسا أعطت جنسيتها لكل بلدان الشمال الافريقى! ولكن الحقيقة أن بيرم لم تكن له جنسية، حتى حصل عليها رسمياً عام 1960م، قبل الحصول على جائزة الدولة التقديرية عام1961م، في عهد جمال عبدالناصر.

ويتناول المؤلف قصة مهمة، تتمثل في واقعة حوار صحفي مع الكاتب أفاد بيرم، بين فيها الشاعر الراحل أنه نشأ بل وأحب الشعر، بعد أن قرأ للشاعر عبدالله النديم، وخلال حياته الأولى وشبابه أنشأ مجلتي (المسلة) و(الخازوق)، وتم اغلاقهما فور صدورهما! بل ونفي بيرم بعدها، 18 سنة، بسبب إحدى القصائد. ومن ثم عاد بعد كل تلك السنوات بلا موافقة من سلطة الاحتلال بمصر، إذ وجد باخرة قادمة إلى بورسعيد بمصر، فاعتلاها وعاد.. وقد كتب عن تلك التجربة يقول:

غلبت اقطع تذاكر

وشبعت يا رب غربة

بين الشواطئ والبواخر

ومن بلادنا.. لأوروبا

فى بورسعيد السفينة

رست تفرغ، وتملا

هتف بي هاتف، وقال لي:

انزل من غير عزومه

فيها الشياطين فى نومه!

ويشرح المؤلف في كتابه، كيف بدت طفولة بيرم شقية ومتمردة على الأعراف، فلم يوفق في التعليم، نظرا لقسوة من يعلمونه، ثم لعجزه عن متابعة تعليمة بعد وفاة أبيه. ولما بدأ يعمل فى التجارة، وقفت مصلحة الضرائب بعنف نحو عجزه عن سداد الضريبة، وهو ما دفعه لكتابة قصيدته الشهرة التي رددها الشعب المصري كله، فى حينه: (المجلس البلدي):

قد أوقع القلب فى الاشجان والكمد

هوى حبي يسمى المجلس البلدي

ويؤكد عطية انه ما من حادثة أو موقف مر بحياة بيرم، إلا وسجله فى قصيدة، فما إن تم نفيه أولا إلى تونس، ثم إلى فرنسا، حتى كتب يقول:

الأوله آه.. والثانية آه.. والثالثة آه..

الأولة: مصر.. قالوا تونسي ونفوني

الثانية: تونس.. وفيها الأهل جحدوني

والثالثة: باريس.. وفى باريس جهلوني

ويشير الكاتب الى انه مع مطلع الخمسينيات من القرن الفائت، تسلل بيرم من بورسعيد حتى القاهرة، وما كان يخرج إلا مساء، حتى تعرف إليه بائع بالمقهى التي يجلس فيه. وانتشر خبر عودته، وكتبت الصحف تطلب العفو عنه، حتى صدر الأمر بعدم التعرض له، ليبدأ مرحلة ثرية من حياته، عمل فيها بالصحافة وكتب الأغاني للمشاهير. ومع عودة بيرم واستقراره، راجت كتاباته الشعرية والنثرية بجريدة الجمهورية، على شكل يوميات وحواديت أسبوعية. فكتب عن شخصية رجل اسمه (غلى.. غلى)، وهو لا يجيد القراءة والكتابة، بينما فوجئ به مقيما فى فرنسا، وكون ثروة كبيرة من ألعاب السحر، أو (الحاوي) التي يجيدها.

كما كتب عن شاب مصري اخر، هاجر إلى فرنسا، بينما هو ابن أحد الأثرياء بمصر، فشغلته باريس بيملهاتها، ولم يكمل تعليمه الذي سافر من أجله.

ويلفت المؤلف الى ان الطريف في كتابات بيرم، أنه تناول موضوع الحصول على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون، وكشف عن سر غريب، حيث يلجأ الطالب إلى كتاب من خارج الجامعة يجيدون الصياغة العلمية، وبعدها يلقى كل التقدير، وقيل انه فى ذلك يشير إلى زكي مبارك .

ولعل أهم ما سجل فى هذا الكتاب، الجزء الخاص بطريقة اكتساب بيرم التونسي للقمة عيشه، ومن ضمن ما عمل، أنه اشتغل أمام أفران الصلب، ثم عمل فى نقل صناديق الخضر والفاكهة فى الليل المتأخر من سيارات النقل، حتى داخل السوق. واللافت انه لا يترك بيرم في إبداعاته فرصة إلا ويصف أنماط ونماذج البشر الكثيرين الذين قابلهم.. وكلها غريبة وغير تقليدية!

المؤلف في سطور

صلاح عطية، كاتب وباحث مصري، من مواليد القاهرة (1932)، حصل على ليسانس في الآداب، وعمل بالصحافة وتدرج من صحافي مبتدئ، حتى أصبح مديراً لتحرير جريدة الجمهورية. وتخصص فى مجال الكتابة السياحية، وله عدد من الكتب، جمع بها بعض التحقيقات الصحافية، وأيضا ناقش فيها مجموعة من القضايا العامة.

ألق

يظل الشاعر الراحل بيرم التونسي متألقاً، حتى بعد مرور خمسين سنة على وفاته (عام1961م)، وتظل المطابع تعيد اصدار أعماله وأشعاره، واثقة من لهفة الجميع للاطلاع عليها. وهو بالضبط ما قامت به مؤسسة التعاون، أخيراً، لتبدأ به تناول بعض الشخصيات الثقافية، والتي أثرت الحياة الثقافية العربية، في سلسلتها (تراث).

التصنيف : أدباء

لا يوجد مراجعات

لا يوجد أقتباسات