قصائد .. ألبارو دي كامبوس

تأليف فرناندو بيسوا

488 صفحة

أبداً مهما سافرت

أبداً، مهما سافرت، مهما عرفت،
فإنني عند الخروج من مكان، عند الوصول الى مكان، معروفاً أكان أم مجهولا،
أضيع، عند الرحيل وعند الوصول وفي الخط المتحرك الذي يجمع بينها،
الشعور بالرعشة، الخوف مما هو جديد، الغثيان
- ذلك الغثيان هو الشعور عندما يعرف
أن للجسد روحاً.
ثلاثون يوماً من السفر، ثلاثة أيام من السفر، ثلاث ساعات من السفر-
دائماً ما يتسلل الضيق إلى أعماق قلبي.

**
أبدأ أن أعرفني
أبدأ أن أعرفني. لست موجوداً.
أنا المسافة بين ما أرغب أن أكونه
وبين ما قد صنعني الآخرون،
أو نصف هذه المسافة، لأن هناك أيضا حياة...
أنا هذا، في آخر الأمر...
أطفئ الضوء، أغلق الباب ولا تحدث
جلبة بحذائك في الممر.
أبقى أنا وحيداً في الغرفة مع الطمأنينة الكبيرة لنفسي.
إنه كون رخيص.

**
تلاقى معي
تلاقى معي، تصادفنا في أحد شوارع لابايشا ،
ذلك الرجل بملابسه السيئة الذي يحمل مهنة شحاذ
مطبوعة على وجهه،
هو لطيف بالنسبة إليَّ وأنا لطيف بالنسبة إليه،
وبشعور متبادل وبحركة سخاء غامرة
أعطيته كل ما كان لديَّ
(في ما عدا، بالطبع، ما كان لديَّ في جيبي الصغير
حيث أحتفظ بنقود أكثر:
لست مغفلاً ولا روائياً روسياً مجتهداً،
وبرومنطيقية، نعم، ولكن شيئاً فشيئاً...)
أشعر بتعاطف مع كل هؤلاء الناس
خصوصاً عندما لا يستحقون أي تعاطف.
نعم، أنا كذلك شريد ومتسول،
وكوني هكذا هو خطأ يرجع إليَّ.
أن تكون شريداً ومتسولاً ليس أن تكون شريداً ومتسولاً:
أن تكون في جانب من السلّم الاجتماعي،
ألا تكون متوافقاً مع قوانين الحياة،
القوانين الواقعية والعاطفية للحياة
- ألا تكون قاضياً في المحكمة العليا ولا موظفاً ثابتاً ولا عاهرة،
ألا تكون فقيراً حقيقة أو عاملاً مستغَلا،
ألا تكون مريضاً بمرض عضال،
ألا تكون متعطشاً الى العدالة ولا قائداً للفرسان،
ألا تكون، في النهاية، واحداً من شخصيات الروائيين تلك
التي تملّ من الكلمات بينما لديها من الأسباب ما يجعلها تذرف الدموع،
والتي تتمرد على الحياة الاجتماعية لأن لديها أسبابها لتفترض
أن الأمر يحدث هكذا.
لا، كل شيء ما عدا امتلاك الأسباب!
كل شيء ما عدا الإنسانية التي تهمّني!
كل شيء ما عدا الإفساح لمحبة البشر!
بماذا يفيد إحساس ما إذا كان هناك سبب خارجي له؟
نعم، أن تكون شريداً ومتسولا مثلما أكونه أنا
وليس أن تكون شريداً ومتسولاً جد عادي:
أن تكون منعزلاً في الروح، فهذا هو أن تكون شريداً،
أن يكون عليك أن تفقد الأيام التي تمرّ وتتركنا،
فهذا هو أن تكون شحاذاً.
كل ما عدا ذلك ترهات تليق بدوستويفسكي أو بغوركي،
كل ما عدا ذلك أن تكون جائعاً أو ألا يكون عليك أن تلبس.
وعلى رغم أن هذا يحدث، يحدث لكثير من الناس
فإن الأمر لا يستحق عناء أن تشعر بالشفقة تجاه من يحدث لهم ذلك.
أنا شريد ومتسول حقيقةً، هذا هو، بمعنى مجازي،
وأبتهج الآن بحسنة كبيرة مني لنفسي.
يا لك من مسكين ألفارو دي كامبوس،
جد منعزل عن الحياة، جد مكتئب في أحاسيسك!
يا له من مسكين، قابع على كرسي سوداويته!
يا له من مسكين، بدموع (أصيلة) في عينيه
أعطى اليوم في حركة سخاء حرة وموسكوفية
كل ما كان لديه في جيبه الذي يحمل فيه القليل
إلى ذلك المسكين، الذي ليس مسكيناً، إلى ذلك الذي له عينان حزينتان
بشكل مهني.
يا له من مسكين ألفارو دي كامبوس الذي لا يهمّ أحداً!
يا له من مسكين، كم من حسرة لديه على نفسه!
نعم، يا له من مسكين!
مسكين أكثر من شريدين كثيرين يتشردون
ومن شحاذين يشحذون،
لأن الروح البشرية نعم هي هاوية سحيقة.
أعرف ذلك جيداً، يا له من مسكين!
ليت في إمكاني التمرد على نفسي في اجتماع داخل روحي!
لكنني لست مغفلاً حتى.
ولا حماية عندي كي يمكنني التلاؤم مع الآراء الاجتماعية.
ليس لديَّ، في الحقيقة، أي نوع من الحماية، أنا ثاقب الفكر.
لن تحبّوا أن تغيّروا قناعتي: أنا ثاقب الفكر.
أكرر: أنا ثاقب الفكر.
لا شيء من استاطيقا عاطفية: أنا ثاقب الفكر.
يا للقرف، أنا ثاقب الفكر.

**
كم أودّ
كم أودّ لو أودّ أن أودّ.
لحظة... أعطني سيجارة من هناك،
من العلبة الموضوعة على الكومودينو.
واصل... كنت تقول
أن شيئا ما قد فقد في شرح الميتافيزيقا
بين كانط وهيغل.
أوافقك تماماً.
كنت في الواقع أصغي.
Nondum amabam et amara amabam (San Agustín)
تربيطات الأفكار هذه أمر عجيب!
أنا متعب من التفكير في الإحساس بشيء آخر...
شكراً. دعني أشعل السيجارة. واصل. هيغل...

**
أودّ أن أنتهي
أود أن أنتهي بين وردات، ذلك أني عشقتها في طفولتي.
الأقحوان بعد ذلك أنزع أوراقه ببرود.
تكلموا قليلا، ببطء.
كي لا أسمع وخصوصاً مع الفكر.
ماذا أردت؟ إن يديّ فارغتان،
متشنجتان بشكل حزين فوق الحشيّة البعيدة.
ماذا فكرت؟ إن فمي جاف، تجريدي.
ماذا عشت؟ النوم كان رائعاً للغاية!

التصنيف : شعر مترجم

لا يوجد مراجعات

لا يوجد أقتباسات